ورقة سياسات -- جودة النقاش التشريعي في مناقشة مشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026

ييي

الملخص التنفيذي

يكشف هذا التقرير التحليلي الصادر عن مركز الحياة - راصد حول مناقشات مجلس النواب العشرون لمشروع قانون التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية لسنة 2026، عن فجوة بنيوية واضحة بين كثافة النشاط البرلماني تحت القبة ومستوى تأثيره الفعلي على المخرجات التشريعية، في واحدة من أبرز المحطات المرتبطة ببناء رأس المال البشري في الأردن.

فعلى الرغم من تسجيل 269 مداخلة نيابية خلال 12 ساعة و42 دقيقة من النقاش، بمشاركة 86 نائبًا، لم تنعكس هذه الكثافة العددية على فاعلية تشريعية ملموسة، حيث لم يُقر سوى مقترح واحد فقط من أصل 271 مقترحًا خضع للتصويت، بنسبة لا تتجاوز 0.5%. ويشير ذلك إلى محدودية قدرة النقاشات البرلمانية على إحداث تأثير حقيقي في النصوص النهائية، بما يعكس اختلالًا في العلاقة بين التداول النيابي وصناعة القرار التشريعي.

ويُظهر التحليل أن النقاش اتسم بطابع كمي مرتفع مقابل محدودية نوعية واضحة، إذ لم تتجاوز نسبة المداخلات ذات الطابع النوعي أو المفصلي 2.6%، في حين غلبت المداخلات العامة أو التكرارية على مجمل النقاشات، كما تبيّن أن 202 مداخلة تضمنت مقترحات، إلا أن هذه الكثافة في الطرح لم تُترجم إلى تعديلات فعلية، ما يعزز فرضية ضعف التحليل التشريعي القائم على الأثر، وغياب البناء المنهجي للمقترحات.

من جهة أخرى، يعكس التوزيع الزمني للنقاش اختلالًا في إدارة الوقت، حيث استحوذت المادتان الأولى والثانية على نحو 46% من إجمالي زمن النقاش، قبل أن تتسارع وتيرة إقرار المواد في المراحل اللاحقة، بما في ذلك إقرار 27 مادة خلال يومي العمل الأخيرين، وقد أسهم هذا التمركز الزمني في خلق ضغط إجرائي أدى إلى تقليص مساحة النقاش الفعلي في المراحل النهائية، وانخفاض جودة التداول التشريعي.

وفي المقابل، سجّل التقرير مؤشرات إيجابية على مستوى الانضباط الإجرائي، حيث التزم 76.58% من النواب بالسقف الزمني المحدد للمداخلات (ثلاث دقائق)، كما بقيت نسبة المداخلات خارج جدول الأعمال محدودة عند 6.32%، رغم العدد الكبير من المتحدثين، ويعكس ذلك قدرة نسبية على إدارة الجلسات ضمن الأطر التنظيمية، وإن لم ينعكس بالضرورة على جودة المضمون التشريعي.

ويُبرز التقرير أن أحد العوامل التفسيرية الرئيسية لمحدودية نجاح المقترحات يتمثل في ضعف التنسيق بين الكتل البرلمانية، إضافة إلى تباينات داخل الكتلة الواحدة، ما حدّ من قدرة النواب على بناء مواقف جماعية متماسكة أو تحقيق توافقات مسبقة حول التعديلات المقترحة. ويؤشر ذلك إلى خلل في ديناميكيات العمل البرلماني الجماعي، وانعكاسه المباشر على فرص التأثير في التشريع.

كما يبيّن التحليل أن النقاش تحت القبة لم يكن تشريعيًا خالصًا، بل تداخل مع أنماط من الخطاب السياسي والوطني، ما حوّله في كثير من الأحيان إلى منصة تعبير عام أكثر من كونه عملية تدقيق فني للنصوص، وقد انعكس ذلك على محدودية الاستناد إلى الأدلة (4/10) وضعف التأثير على النص (1/10)، رغم تسجيل مستوى جيد نسبيًا في الاتساق القانوني (7–8/10).

وبناءً على مؤشرات تقييم مستندة إلى معايير دولية، بلغ التقييم العام لجودة النقاش التشريعي 5.2 من 10، ضمن مستوى “متوسط إلى ضعيف”، ما يعكس الحاجة إلى مراجعة عميقة لأدوات وآليات العمل التشريعي، بما يشمل إدماج تحليل الأثر، وتعزيز الدعم البحثي للنواب، وتحسين إدارة الزمن داخل الجلسات.[1] [2]

ويخلص التقرير إلى أن مناقشة مشروع قانون التربية والتعليم عكست حالة من الحيوية السياسية المرتفعة مقابل فاعلية تشريعية محدودة، في سياق أوسع يعكس تحديات مؤسسية في منظومة التشريع. وعليه، ويؤكد التقرير ضرورة تبني إصلاحات مؤسسية متكاملة لتعزيز جودة العملية التشريعية، ترتكز على تطوير إدارة الزمن داخل الجلسات، وإرساء إلزامية تحليل الأثر التشريعي، وتعزيز الدعم البحثي والفني للنواب، إلى جانب تمكين الكتل البرلمانية من بناء مواقف جماعية أكثر تنسيقًا. كما يشدد التقرير على أهمية الانتقال نحو نموذج تشريعي قائم على الأدلة، يضمن أن تكون النقاشات البرلمانية أكثر ارتباطًا بالمضمون القانوني وأكثر قدرة على إحداث أثر فعلي في النصوص النهائية.

 

[1] Inter-Parliamentary Union. (2023). The IPU Indicators for Democratic Parliaments. IPU Publications.

[2] OECD. (2020). Regulatory Impact Assessment. OECD Best Practice Principles for Regulatory Policy.